الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
493
مرآة الحقائق
وقد جاء في بعض الأحاديث : « فإن الشيطان لا يتمثّل بي » « 1 » ؛ وذلك لأن الشيطان مظهر الاسم المضل بالفعل ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم مظهر الاسم الهادي بالفعل ، فلا يظهر أحدهما في صورة الآخرة صونا للحقائق ، وضبطا للمراتب . وأمّا اللّه سبحانه وتعالى فهو وإن لم يكن له مثل ، كما دلّ عليه قوله تعالى :
--> - إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [ الفتح : 10 ] وقد أخذ اللّه تعالى العهد والميثاق على جميع النبيين لئن جاءهم ليؤمنن به ويتبعوه وينصروه ، وأخذوا العهد بذلك على أممهم فقد بايعه الناس أجمعون من السابقين واللاحقين قال : ولم أر من ذكر هذا في الأسماء . وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري في قوله : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [ الفتح : 10 ] أي عقدك عليهم هو عقد اللّه يعني المبايعة مفاعلة من البيع لأن اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ التوبة : 111 ] ثم قال : وفي هذه الآية تصريح بعين الجمع كما قال وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] . قال شيخ شيوخنا أبو محمد عبد الرحمن أي ابن محمد الفاسي يعني وكما في حديث : فإذا أحببته كنت سمعه ويديه وسائر قواه الذي هو سر الخلافة والبقاء باللّه . واللّه أعلم . وقال الإمام الورتجيى في الآية المذكورة صرح تعالى بأنه عليه السّلام مرآة ظهور ذاته وصفاته كما أشرنا يعني في قوله : إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً [ الأحزاب : 45 ] وهو مقام الاتصاف والاتحاد بأنوار الذات والصفات في نور الفعل فصار هو هو إذ غاب الفعل في الصفة وغابت الصفة في الذات وإلى ذلك يشير الحلاج وغيره . وقال الشيخ أبو طالب المكي في كتابه القوت هذه أن آية في كتاب اللّه عز وجل ، وأبلغ فضيلة فيه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه جعله في اللفظ بدلا عنه وفي الحكم مقامه ، ولم يدخل بينه وبينه كاف التشبيه فيقول كأنما ولا لام الملك فيقول للّه ، وليس هذا المقام من الربوبية لخلاف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، انتهى كلام صاحب تحفة الأخيار بلفظه . وفي الإلمام والإعلام بنقله من بحور علم ما تضمنته صلاة القطب مولانا عبد السّلام للشيخ أبي عبد اللّه محمد بن عبد الرحمن بن زكرى الفاسي ما نصه : قال الورتجيى في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ [ الفتح : 10 ] جعل نبيه مرآة لظهور ذاته وصفاته وقال في قوله : لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [ الفتح : 9 ] أي ليشاهدوا بأسرارهم اللّه ويدركوك في محل الجلال والجمال ويعرفوا قدرك في قدرى وقدرى في قدرك حيث صرت مرآتى أتجلى منك لهم لذلك قال عليه الصلاة والسّلام من رآني فقد رأى الحق انتهى . ( 1 ) رواه مسلم ( 4 / 1775 ) ، والترمذي ( 4 / 535 ) .